محاولة لـ «ترقيع» التمديد للمفتي... بتمديد مدى الحياة! لينا فخر الدين الخميس 2 تموز 2026 قبل نحو عامين، اجتمع عدد محدود
محاولة لـ «ترقيع» التمديد للمفتي... بتمديد مدى الحياة!
لينا فخر الدين
الخميس 2 تموز 2026
قبل نحو عامين، اجتمع عدد محدود من المحسوبين على مفتي الجمهورية، الشيخ عبد اللطيف دريان، في مكتب الرئيس السابق لـ«جمعية المقاصد الخيرية الإسلامية» فيصل سنّو، واتفقوا على إطلاق حملة لتسويق فكرة التمديد للمفتي، مع الإيحاء بأنها تأتي استجابة لرغبة سعودية.
وبعد ثلاثة أيام فقط، ومن دون تنسيق مُسبق مع رؤساء الحكومات أو القوى السياسية، عقد المجلس الشرعي الإسلامي الأعلى جلسة قرّر فيها رفع سن تقاعد مفتي الجمهورية إلى 76 عاماً، ومُفتي المناطق إلى 72. غير أن هذا الاستعجال أفضى إلى تمديد شابته عيوب قانونية جسيمة، أبرزها فقدان النصاب، وعدم إدراج البند على جدول الأعمال، وعدم توقيع محضر الجلسة، ما جعل الشخصيات القانونية التي دبّرت العملية تبدو وكأنها أشبه بمجموعة من المبتدئين. وسهّل ذلك على القاضيين الشرعيين الشيخ همام الشعار والشيخ عبد العزيز الشافعي، ومعهما الشيخ الراحل جميل عيتاني، الطعن في قانونية التمديد أمام مجلس شورى الدولة.
ومنذ ذلك الحين، تحوّلت المطالعات والردود القانونية وطلبات الاستئناف إلى الهمّ الأساسي للفريق القانوني في دار الفتوى، فيما خيّم القلق على دريان خشية أن يصبح أول مُفتٍ يُنحّى بقرار قضائي، بعدما أدرك أن المسار الذي يسلكه مجلس شورى الدولة قد ينتهي إلى تثبيت عدم قانونية التمديد حتى عام 2028، وإبطال مفاعيله بأثر رجعي، بعدما انتهت ولايته الأصلية في نيسان 2025، ولا سيما بعد فشل محاولات التأثير على «الشورى» والاستعانة بالسياسيين لتغيير مسار القضية.
لذلك، لم يجد المقرّبون من دريان سوى اللجوء إلى خيار «ترقيع» التمديد بـ... تمديد جديد يكون مُحصّناً من الثغرات القانونية التي شابت القرار الأول. ويروي مطّلعون في دار الفتوى أن المفتي كان يعتزم في الجلسة الأخيرة للمجلس الشرعي الإسلامي الأعلى، التي عُقدت في 20 حزيران الماضي، تمرير التمديد الثاني بهدوء ومن دون إثارة ضجة، إلا أن الظروف لم تسعفه في إنجاز ما كان يخطّط له.
كيف بدأت الحكاية؟
اقتنع دريان، تحت تأثير دائرته الضيقة، بضرورة عقد جلسة للمجلس الشرعي تُقِرّ تمديد ولايته، ولكن هذه المرة مع تأمين نصاب قانوني كامل وغطاء سياسي من رؤساء الحكومات، باعتبار أن الأمرين مترابطان. فالنصاب يتطلّب حضور 30 عضواً من أصل 39، بينهم 32 عضواً منتخبين ومُعيّنين، إضافة إلى دريان نفسه، ورئيس الحكومة العامل نواف سلام، ورؤساء الحكومات السابقين: نجيب ميقاتي، حسان دياب، سعد الحريري، تمام سلام وفؤاد السنيورة.
وسرعان ما برزت العقبة الأولى: كيف يمكن إقناع نواف سلام بتغطية التمديد، ولا سيما أنه كان قد رفض سابقاً التدخل للضغط على مجلس شورى الدولة من أجل «تنييم» الملف، فضلاً عن أن العلاقة بين الرجلين «رسمية»، وليست في أفضل أحوالها؟
وبحسب مصادر متابعة، شكّل الاتصال الذي أجراه رئيس الحكومة نواف سلام بدريان، لمعايدته برأس السنة الهجرية وتهنئته بعودته من أداء فريضة الحج، فرصة استغلّها المفتي لدعوته إلى حضور أول جلسة للمجلس الشرعي، بحجة أن الأعضاء يتطلّعون إلى مشاركته. وما إن وعد سلام بالحضور، حتى بدأت داخل دار الفتوى التحضيرات لتمرير التمديد، إذ تؤكّد المصادر أن بياناً أُعدّ سلفاً للتأكيد على رفض «التدخّل في خصوصيات مؤسسات الطائفة السنية»، وللتشديد على أن المجلس الشرعي «سيّد نفسه»، ولا ولاية لأي جهة قضائية عليه، في إشارة واضحة إلى مجلس شورى الدولة. وفي موازاة ذلك، أرسل أحد الأعضاء المحسوبين على دريان رسائل هاتفية إلى زملائه يحثّهم فيها على حضور الجلسة، وأسرّ إلى بعضهم بأنّه، إلى جانب عدد من الأعضاء، سيطرحون خلال الجلسة، وفي حضور رئيس الحكومة، اقتراحاً بالتمديد للمفتي مدى الحياة.
مشروع التمديد «الخيار الوحيد» المُتاح أمام دريان للخروج من الورطة القانونية التي أدّى اليها التمديد الأول
هذا السيناريو سقط في اللحظة الأخيرة بعدما وصل مضمونه إلى رئيس الحكومة عبر عدد من زوّاره، فشعر، وفق مطّلعين، بأنه سيُزجّ في «ورطة». وعليه، اعتذر، قبل ساعات من انعقاد الجلسة، عن عدم الحضور، متذرّعاً بأن لديه ارتباطاً رسمياً يتمثّل بالمشاركة في حفل إطلاق أولى الشحنات التجارية المتّجهة من مرفأ بيروت إلى مرفأ جدة.
وعندها، انقلبت الحسابات داخل دار الفتوى. دخل دريان إلى قاعة اجتماع المجلس الشرعي الإسلامي الأعلى متأخّراً عن الموعد المُحدّد، وبدا عليه الغضب، بعدما تبيّن أن أربعة أعضاء تغيّبوا بأعذار مختلفة، فيما قاطع الجلسة القاضي المدني حمزة شرف الدين والشيخ فؤاد زراد، وهما من أبرز معارضي المفتي. ومع تراجع فرص تمرير ما كان مُخطّطاً له، اضطر المشرفون على إعداد البيان إلى إدخال تعديلات عليه، فحذفوا العبارات التي كانت تتضمن هجوماً ضمنياً على مجلس شورى الدولة.
لكنّ الرسالة لم تصل إلى جميع الحاضرين، فواصل بعضهم أداء الدور المرسوم له، إذ توجّه عضو المجلس موفق الرواس إلى دريان قائلاً: «نريد أن نمدّد لك مدى الحياة»، فما كان من المفتي إلا أن بادر إلى قطع الحديث سريعاً، خشية أن يكشف كلام الرواس أن طرح التمديد كان مُنسّقاً ومُتّفقاً عليه سلفاً.ولم يتوقف الارتباك عند هذا الحد، إذ حاول بعض الأعضاء احتواء الموقف والتخفيف من وقع كلام الرواس، ومن بينهم رئيس المحكمة السنّية العليا محمد عساف، الذي، «بدلاً من أن يكحّلها عماها»، عندما أسرّ إلى عدد من الأعضاء بأن التمديد مدى الحياة ليس مطروحاً، «بل المُتفق عليه هو التمديد للمفتي حتى بلوغه الثمانين من العمر». وهكذا، تحوّل النفي نفسه إلى تأكيد غير مباشر بأن مشروع التمديد كان مطروحاً بالفعل، وإن اختلفت مدته.
ورغم الانتكاسة التي مُني بها هذا المسعى، يؤكد مطّلعون أن مشروع التمديد لم يُطوَ نهائياً، بل لا يزال «الخيار الوحيد» المُتاح أمام دريان للخروج من الورطة القانونية التي أدّى إليها التمديد الأول. إلا أن العقبة الأساسية، بحسب المصادر، تكمن في أن هذا المسار يفتقد السندَ القانوني، إذ إن الولاية الأصلية للمفتي انتهت، ومع انقطاعها بين التمديدين، يصبح الواجب قانوناً دعوة الهيئة الناخبة إلى انتخاب مفتٍ جديد، لا تجديد ولاية انقضت بالفعل.
وبحسب المعنيين، تتواصل الاتصالات لتأمين النصاب اللازم لجلسة يجري الإعداد لعقدها خلال الأسابيع المقبلة. ويتردّد أن مقرّبين من دريان فاتحوا الرئيسين تمام سلام وفؤاد السنيورة بالأمر، إلا أن الأخير رفض المشاركة، فيما روّج هؤلاء أن الرئيس ميقاتي أبدى، خلال زيارته دار الفتوى الأسبوع الماضي، استعداده لحضور جلسة التمديد.
ان ما ينشر من اخبار ومقالات لا تعبر عن راي الموقع انما عن رأي كاتبها